محمد بن أحمد الفاسي
59
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
فقد وقفت على هذا التأليف الجاري على القوانين والأوضاع ، والتصنيف البديع الذي ليس فيه ابتداع ، والجمع الذي يشهد لجامعه بحسن الاختراع ، والمجموع الجامع لصدق النقل وحسن الانتزاع ، والتاريخ الذي انعقد على فضيلة الإجماع ، والروض الذي ضاع نشره وما ضاع منه بل حفظ وذاع ، فانتفعت به أحسن الانتفاع ، والتقطت من فوائده ما ليس في حسنه نزاع ، واعترفت لجامعه بحسن الجمع وكثرة الاطلاع ، وسعة المعرفة والاضطلاع . فهو إمام له في المشكلات انبساط ، وعلى العلم انجماع ، وحافظ في حفظه اتساع ، وثقة فيما ينقله عن كتاب أو سماع ، وعالم له مع تواضعه ارتفاع ، ومتقن ضم إلى حضور القلب حسن الاستماع . واللّه تعالى يحفظ عليه ما من به عليه من التقى فهو خير زاد ، وغنى النفس فهو خير متاع ، ويديم النفع به حتى يأتي أمر اللّه الذي ليس له دفاع . كتبه أحمد بن عبد الرحيم العراقي الشافعي - لطف اللّه به وبوالديه ومشايخه - حامدا ومصليا ومسلما في ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من شوال سنة سبع وثمانمائة بمنزلى بشاطئ النيل المبارك بظاهر القاهرة . وحسبنا اللّه ونعم الوكيل . وكتب الحافظ شهاب الدين ابن حجر على هذا التأليف ، ما نصه : الحمد للّه الذي جعل من تولاه بعنايته تقيا ، وفضل بعض خلقه على بعض ، فرقى منهم سعيدا وأردى منهم شقيا ، وشرف بعض الأمكنة على بعض ، فاختص البلد الحرام بالأمن والمحبة والبركة ، وكفى بذلك فخرا مرضيا . وصلى اللّه على سيدنا محمد أرفع العالمين قدرا عليا ، وعلى آل محمد وصحبه الأبرار الذين حفظوا السنن ونقلوها ، وعرفوا معانيها وعقلوها ، ونظروا إلى الدنيا بعين الازدراء فما مقلوها ، صلى اللّه عليهم أجمعين ، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فقد وقفت على هذا التأليف البديع وصفا ، الغريب صنفا ، فوجدته فاق المصنفات في هذا الفن ، لصدق معزاه ، وتخصص بالشرف المطلق لفظه ومعناه ، فهو تصنيف شريف ، في معنى شريف ، لبلد شريف ، اختاره اللّه وارتضاه . حبّره وأجاد في تأنيقه السيد الإمام الأوحد ، البارع المتقن ، ذو الأصل الزكي ، والذهن الوقاد الذكي ، تقى الدين ، مفتى المسلمين ، حامى حمى الفقه والحديث ، مع ما انضاف إلى ذلك من تقوى صدقت لاسمه مسماه ، وعبادة وزهادة ، وتواضع لائق بمن